حسن بن عبد الله السيرافي
51
شرح كتاب سيبويه
فنبدأ من ذلك ما ذكره سيبويه في هذا الباب ونشفعه بسائر المبنيات ، فأول ذلك " حيث " اعلم أن حيث فيها أربع لغات ، يقال حيث وحيث ، وحوث ، وحوث ، وهي مبنية في جميع وجوهها والذي أوجب بناءها علتان : إحداهما أنها تقع على الجهات الست ، وهي : خلف ، وقدام ، ويمنة ، ويسرة ، وفوق ، وأسفل ، وتقع على كل مكان . وكل واحد من هذه الجهات تقع مضافة إلى ما بعدها ، وأبهمت " حيث " فوقعت عليها كلها ولم يخص مكانها دون مكان ، فشبهوها لإبهامها في الأمكنة " بإذ " المبهمة في الزمان الماضي كله ، فلما كانت " إذ " مضافة إلى جملة موضحة لها ، أوضحت " حيث " بالجملة التي أوضح بها " إذ " من ابتداء وخبر وفعل وفاعل ، فلما استحقت الإضافة ومنعتها ، صارت بمنزلة قبل وبعد ، إذ حذف المضافتان إليه وبنيت كما بنيتا . والعلة الثانية : أنه ليس شيء من غير الأزمنة ، وما في معناها يضاف إلى الجمل إلا " حيث " ، فلما خالفت أخواتها " حيث " بأنها قد أضيفت إلى الجملة بنيت لمخالفتها أخواتها ودخولها في غير بابها ، أعني في مشابهة إذ من الإضافة إلى الجمل ، واستحقت أن تبنى على السكون ؛ لأن المبني على حركة من الأسماء هو ما كانت له حالة في التمكن ، مثل : قبل ، وبعد ، وأول ، ومن حل ، ويا زيد ، وكان حكم آخره أن يكسر لالتقاء الساكنين . وسنبين لما وجب الكسر في التقاء الساكنين دون غيره إذا انتهينا إلى موضعه إن شاء اللّه - فلم يكسر وفتح استثقالا للكسرة مع الباء . فإن قال قائل : فقد قالوا : جير وويب ووهيت فكسروهن ، فإن الجواب في ذلك أن الحرف على مقدار كثرة استعماله تختار خفته وتؤثر سهولته ، فلما كثر استعمال حيث مع العلة التي ذكرنا من اجتماع الكسر والياء آثروا الفتحة لذلك ، فأما من ضم " حيث " فإنما ضمها لما كانت مستحقة للإضافة ومنعتها كما فعل بقبل وبعد ، ونحن نبين علة الضم في قبل وبعد إذا انتهينا إليه إلا أن الضم في حيث لالتقاء الساكنين ، وفي قبل وبعد للبناء في أول أمره . وقد حكى الكسائي عن بعض العرب أنهم يكسرون " حيث " فيقولون مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ " 1 " فيضيفونها إلى جملة ويكسرونها مع ذلك ، والأمر في هذه اللغة عندي أنهم
--> ( 1 ) سورة الأعراف ، آية 16 . سورة القلم ، آية 44 .